مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية

67

موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )

فأرسل مروان إلى وجوه أهل المدينة ، فجمعهم في المسجد الأعظم ، ثمّ صعد المنبر ، وتكلّم بما أراد من وصفه معاوية في العدل والمحافظة على مصالح الأمّة وأنّه قد كبر سنّه ، وقد أراه اللّه رأيا حسنا ، وقد أراد أن يختار لكم وليّ عهد يجمع اللّه به الألفة ، ويحقن به الدّماء ، وأراد أن يكون ذلك عن مشورة فيكم وتراض ، فما تقولون ؟ وهذا الكلام يبعث في النّفوس أملا قويّا في إجراء الشّورى ورجوع الاختيار للأمّة ، وبالطّبع إنّها لا تختار إلّا من له أهليّة الخلافة ، وهو المتحلّي بصفات الإمامة ، وانمحت من خواطرهم فكرة بيعة يزيد ، وزال التّخوّف من ولاية عهده ، فإنّ زياد بن أبيه قد كدر صفو عيشهم من قبل ، إذ أعلن بيعة يزيد في ولاية العهد . وانتظر النّاس الإفصاح عن تلك الشّخصيّة الّتي أرادها معاوية للأمّة جمعا لشملها وحفظا لمصالحها ويكون تعينه برضا الأمّة واختيارها . فقال مروان : فإنّه قد اختار لكم الرّضا الّذي يسير فيكم بسيرة الخلفاء الرّاشدين المهتدين وهو ابنه يزيد . وهنا تظهر على ذلك الجمع موجة التّأثّر العظيم لهذه المهزلة ، وهذا التّحدّي لمجتمع عاش تحت ظلال الدّعوة الصّالحة ، وعايش الخلافة الرّاشدة ، فمروان هنا يقدّم مهزلة لعقول صقل جوهرها الإسلام ، فأصبح مروان يهزأ بذلك المجتمع ويحتقر القيم الخلقيّة ، وقامت ضجّة إنكار ، وتكلّم وجوه أهل المدينة في ردّ هذه الفكرة ، وطال الحوار وكان عبد الرّحمان بن أبي بكر حاضرا ، فقال : كذبت وكذب من أمرك بهذا ، واللّه ما يزيد بمختار ولا رضى ، ولكنّ تريدون أن تجعلوها هرقليّة ، ويزيد هو يزيد القرود ويزيد الفهود ويزيد الخمور . وتفرّق الجمع وهو ساخط على معاوية ، والنّاس تتحدّث عن هذه المهزلة الّتي مني بها الفكر الإسلاميّ ، وأصبحت في المدينة موجة إنكار وأحاديث استغراب . أسد حيدر ، مع الحسين في نهضته ، / 51 - 53